ابن الجوزي
239
المنتظم في تاريخ الأمم والملوك
يا أيّها السائل عن ديننا ديني على دين أبي شاكر نشربها صرفا وممزوجة بالسّخن أحيانا وبالفاتر [ 1 ] فغضب هشام على ابنه مسلمة ، وكان يكنى أبا شاكر ، وقال له : يعيرني بك الوليد وأنا أرشحك للخلافة فالزم الأدب واحضر الجماعة ، وولاه الموسم سنة تسع عشرة ومائة ، فأظهر النسك والوقار ، وقسم بمكة والمدينة أموالا ، فلما رأى الوليد تقصير هشام في حقه خرج في ناس من خاصته ومواليه ، فنزل بالأزرق من أرض بلقين وفزارة على ماء يقال له الأغدق [ 2 ] ، وخلف كاتبه عياض بن مسلم وقال له : اكتب إليّ ما يحدث قبلكم ، فقطع هشام ما كان يجري على الوليد ، وضرب عياضا ضربا مبرحا ، فلم يزل الوليد مقيما بتلك البرية حتى مات هشام ، ووصلت إليه الخلافة ، فسأل عن كاتبه عياض ، فقيل : يا أمير المؤمنين لم يزل محبوسا ، حتى نزل أمر الله بهشام ، فلما صار في حد لا ترجى الحياة لمثله أرسل عياض إلى الخزان احتفظوا بما في أيديكم ، ولا يصلن أحد منه إلى شيء ، فأفاق هشام إفاقة ، فطلب شيئا فمنعوه ، فقال : أرانا كنا خزانا للوليد ، ثم مات من ساعته . فخرج عياض من السجن ، فختم أبواب الخزائن ، وأمر بهشام فأنزل عن فرشه ، فما وجدوا قمقما يسخن له فيه الماء حتى استعاروه ، ولا وجدوا كفنا من الخزائن ، وكفنه غالب مولى هشام . فولي الوليد الخلافة يوم السبت في شهر ربيع الآخر سنة خمس وعشرين ومائة . هذا قول هشام بن محمد . وقال الواقدي : استخلف يوم الأربعاء لست خلون من ربيع الآخر ، ولما ولي الوليد ويكنى أبا العباس وكانت أمه يقال لها أم الحجاج بنت محمد بن يوسف بن الحكم أخي الحجاج بن يوسف - وكان أبيض أحمر أعين جميلا ، قد شاب ، طويل أصابع الرجلين يوتر له سكة حديد فيها خيط ، ويشد الخيط في رجله ثم يثب على الدابة
--> [ 1 ] في الأغاني 7 / 8 : وقال : « بل قال ذلك عبد الصمد بن عبد الأعلى ونحلة إياه » . [ 2 ] كذا في الأصلين ، وفي الطبري 7 / 211 : « الأغدف » .